كيف صُنعت انسيابية البطولة بهدوء وذكاء؟

كيف صُنعت انسيابية البطولة بهدوء وذكاء؟
ما لا يقال عن تنظيم المغرب لكأس افريقيا

الوسط

لا يمكن الحديث عن تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 ببلادنا ، بمعزل عن الخطة الأمنية التي وقفت في الخلفية، تراقب، تستبق، وتدبّر دون ضجيج. فنجاح التظاهرات الكبرى لا يُقاس فقط بما تلتقطه الكاميرات داخل المستطيل الأخضر، بل بما يبقى خارج الصورة: غياب الفوضى، سلاسة الحركة، واطمئنان الجماهير. هنا بالضبط تبدأ قصة الأمن المغربي، لا كقوة ظاهرة، بل كعقل منظّم جعل من الانسيابية عنوانًا للبطولة.
في عالم التنظيم الرياضي، حين تمرّ المباريات في وقتها، وتدخل الجماهير وتغادر دون ارتباك، ويظل النقاش منصبًّا على الأداء الكروي لا على الحوادث، فهذا يعني أن شيئًا كبيرًا يشتغل في الظل. وهذا ما طبع انطلاق كأس إفريقيا 2025، حيث بدا “السير العادي” للمباريات داخل الملاعب وخارجها نتيجة عمل أمني طويل النفس، لا صدفة عابرة.

قبل الصافرة… حين يبدأ الأمن قبل الكرة

قبل أن تنطلق أول صافرة، كان الأمن المغربي قد قطع شوطًا كبيرًا في التخطيط. اشتغال استباقي مبني على قراءة دقيقة لتدفقات الجماهير، حساسية بعض المباريات، وتنوع الجنسيات والثقافات القادمة إلى المغرب. لم يكن الأمر مجرد حراسة، بل هندسة لحركة بشرية ضخمة.
في هذا السياق، لعب مركز التعاون الشرطي الإفريقي دور غرفة قيادة حقيقية، سمحت بتبادل المعطيات، وتوحيد الرؤية، وتحويل الأمن من فعل محلي إلى تنسيق جماعي. هكذا، جرى ضبط مواعيد الوصول والمغادرة، وتوجيه الجماهير عبر مسارات واضحة، دون إحساس بالضغط أو التضييق. الهدف لم يكن فرض السيطرة، بل صناعة الطمأنينة.

خارج الملعب… تُختبر الجاهزية

التجارب الدولية أثبتت أن أخطر لحظات التظاهرات الكبرى لا تكون داخل الملاعب، بل في محيطها. هنا بالذات، يبرز الدور المحوري للشرطة المغربية، التي اشتغلت على تنظيم الفضاء العام بذكاء: انتشار مدروس، تدخل وقائي، وحضور تواصلي يسبق أي توتر محتمل.
محطات النقل، محيط الملاعب، مناطق تجمع المشجعين، كلها خضعت لتدبير جعل الوصول إلى المباراة جزءًا من الفرجة، لا عبئًا عليها. هذا النجاح في الخارج هو ما جعل الداخل يبدو هادئًا وطبيعيًا.

داخل الملعب… أمن يحمي المشهد ولا يخنقه

مع امتلاء المدرجات، اختار الأمن المغربي فلسفة الحضور غير الطاغي. رجل الأمن حاضر، لكنه لا يفرض نفسه على الصورة. تدخل عند الحاجة، ويتراجع حين تستقر الأجواء. هذا التوازن سمح للفرجة بأن تتصدر، وللجماهير بأن تعيش الحدث دون إحساس بالمراقبة المفرطة.
وفي خضم ذلك، برز مشهد إنساني مؤثر، وثّقته مواقع التواصل، لمشجعة جزائرية من ذوي الاحتياجات الخاصة، واجهت صعوبة في ولوج الملعب، قبل أن يتدخل عناصر الأمن لمساعدتها ومرافقتها بكل احترام. لحظة بسيطة، لكنها كشفت جوهر الفلسفة: الأمن في خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

أثناء المباريات… تدخل بلا استعراض

في حالات محدودة من الاحتكاك أو سوء الفهم، جاء التدخل الأمني سريعًا وهادئًا، دون تعطيل المباريات أو تصعيد غير ضروري. هذا الأسلوب يعكس وعيًا بأن صورة البطولة تُحمى بالتحكم في التفاصيل، لا بالقوة الظاهرة.
ولعل تفاعل الجماهير مع عناصر الأمن، وحرص مشجعين من دول مختلفة على التقاط صور تذكارية معهم، كان مؤشرًا واضحًا على مستوى الثقة والإحساس بالأمان.

بعد الصافرة… الأمن لا ينتهي مع النتيجة

بانتهاء المباريات، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل تعقيدًا: خروج آلاف الجماهير في وقت واحد. هنا واصل الأمن المغربي نفس النهج، بتأمين محيط الملاعب، تنظيم حركة السير، وتفادي نقاط الاختناق، في انسجام جعل نهاية المباراة امتدادًا طبيعيًا لبدايتها الهادئة.

منظومة تشتغل بثقة لا بضجيج

وراء هذا الأداء، تقف منظومة أمنية تقودها المديرية العامة للأمن الوطني، بتنسيق مع باقي المتدخلين، اشتغلت بمنطق التخطيط لا الارتجال، وبروح الفريق لا الفرد. منظومة لا تبحث عن الأضواء، لأنها تدرك أن أفضل أمن هو الذي لا يُلاحظ.

رسالة أبعد من كأس إفريقيا

مع توالي أيام البطولة، تغيّر السؤال. لم يعد: هل يستطيع المغرب تنظيم كأس إفريقيا؟
بل أصبح: كيف نجح في جعل تنظيم حدث قاري بهذا الحجم الدولي يبدو أمرًا عاديًا؟
وهو، في قاموس التظاهرات الكبرى، أعلى درجات النجاح.
فالمغرب، مع انطلاق كأس إفريقيا للأمم، لم يكسب فقط رهان الأمن، بل قدّم نموذجًا يجعل من الانسيابية، والبعد الإنساني، والعمل الاستباقي، أعمدة لتنظيم رياضي ناضج… يتجاوز البطولة نفسها، ويؤسس لثقة قارية ودولية طويلة الأمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *