انتحار الأنهار
#جريمة_مائية
عمر الشرقاوي
بينما تنفق الدولة الملايير على محطات تحلية مياه البحر لمواجهة “شبح العطش”، تقع أمام أعيننا ما يشبه جريمة مائية مكتملة الأركان؛ عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه العذبة تصب سنوياً في البحار، في مشهد أقرب إلى العبث الكاريكاتوري منه إلى التدبير الاستراتيجي.
لا يمكن لأي عاقل أن يستوعب كيف لبلد كان قبل أسابيع فقط على شفا حفرة من دخول قائمة الدول المهددة بـ “الموت عطشاً”، أن يترك 14 نهراً تصب في المحيط الأطلسي و6 أنهار تصب في البحر الأبيض المتوسط دون تثمين.
نحن نضيع الماء العذب مجاناً، لنعود لاحقاً ونسترجعه من البحر بتكلفة طاقة باهظة وتقنيات معقدة. أليس هذا قمة سوء التقدير؟
ما حدث في القصر الكبير من فيضانات بسبب عدم قدرة نهر “اللوكوس” على تصريف حمولته، وما وقع في آسفي بفعل “واد الشعبة”، يكشف عورة البنية التحتية المائية. فبدل أن تكون هذه الحمولات المائية الزائدة “نعمة” تُوجّه عبر طرق سيارة مائية نحو مناطق الوسط والجنوب التي يقتلها الجفاف، تحولت إلى “نقمة” تسببت في الغرق والخسائر.
إن حماية القصر الكبير وغيرها من المدن لم تكن تتطلب تصريف الماء في البحر، بل كانت تتطلب عقلاً تدبيرياً ينقل هذا الفائض إلى حيث الحاجة.
للأسف، لا يزال المسؤولون يدبرون الأمن المائي بمنطق رد الفعل تجاه الجفاف فقط، متناسين أن التقلبات المناخية تعني أيضاً “الفيضانات”. إن الاستهتار بهذه الثروة هو لهو بأهم نعمة في الحياة.
على المسؤول الذي يضع تدبير الأمن المائي أن يدرك أن كلفة العطش والاهتزازات الاجتماعية التي قد تنجم عن جفاف الصنابير هي أغلى بكثير من كلفة بناء قنوات ضخمة لربط الأحواض المائية وتخزين مياه الفيضانات.
لقد حان الوقت ليفهم أصحاب القرار أن الأمن المائي لا يعني فقط استغلال ماء البحر، بل يعني قبل ذلك الحفاظ على قطرة الماء العذب قبل أن تضيع في ملوحة البحر. فمن الحماقة أن نضيع ماءً “محلىً ربانياً” لنتكبد عناء تحليته صناعياً.
