حتى لا تكون الديموقراطية مجرد وهم

حتى لا تكون الديموقراطية مجرد وهم

بقلم: فتح الله رمضاني

إن أهمية الأحزاب السياسية بالنسبة إلى الديموقراطية، لا تتجسد فقط في ارتباط ميلاد هذه المؤسسات السياسية بالديموقراطية، كما أنها لا تتجسد في أدوارها ومهامها المرتبطة بالتنشئة السياسية والتحديث السياسي، بل إنها تتجسد بشكل كبير في كون إعمال الديموقراطية والمشروط باحترام مجموعة من المبادئ والقواعد والتدابير، يعتمد بصورة أساسية على دور ووظيفة الأحزاب السياسية.

ذلك أن أي حديث عن إعمال الديموقراطية، يعني بالضرورة حديثا عن إعمال مجموعة من القواعد وتكريس مجموعة من المبادئ والقيم التي توجهها وتستتبعها، والتي تعتبر أسسا لها، حيث أن إعمال هذه القواعد وتكريس هذه المبادئ، هو المعيار والفيصل للحكم على ديموقراطية الأنظمة، إذ على هذا المستوى تبرز بشكل جلي حاجة الديموقراطية إلى الأحزاب السياسية، على اعتبار أنها الأدوات الشرعية التي تعتمد عليها الأنظمة في عملية تكريس وإعمال المبادئ الديموقراطية.

فالديموقراطية باعتبارها مفهوما يتأسس على مبدأ حكم الشعب أو السيادة الشعبية، يتطلب وجود الأحزاب السياسية، ذلك أن هذا المبدأ الذي يعتبر غاية الديموقراطية الرئيسية، والذي يعني بأن الحاكمية لا تكون إلا للشعب، حيث يجب أن يكون الشعب هو مصدر جميع الصلاحيات في الدولة، لا يتجسد إلا من خلال مشاركة المواطنين في العمليات الديموقراطية، أي في الانتخابات، هذه المشاركة التي تضفي على مؤسسات الدولة الشرعية، وتعطي لقرارات هذه المؤسسات المشروعية، إذ يكون تشكيل هذه المؤسسات قد جرى بواسطة الشعب، ولا يكون للأفراد الذين يتواجدون على رؤوسها غير سلطة تدبيرها، ولكن بصورة تحترم القانون، الذي نص على إحداث هذه المؤسسات وأطر اختصاصاتها، بمعنى أنها تحترم الدستور، فالواقع يبين أن كل الديموقراطيات العصرية هي ديموقراطيات دستورية، حيث يلعب الدستور دور المنظم والضامن، المنظم الذي ينظم العلاقات بين المواطنين والمؤسسات، والضامن الذي يضمن الاختصاصات والحقوق والحريات بما فيها حرية ممارسة السياسة، التي لا تستقيم إلا بوجود الأحزاب السياسية.

في نفس الإطار، ونظرا لأنه لا يمكن تحقيق الديموقراطية في غياب نظام حزبي متعدد، حيث يتنافس الجميع من أجل الوصول إلى السلطة، فإنه لا يمكن تصور قيام نظام ديموقراطي لا يضمن وجود الأحزاب السياسية، ولا يوفر شرط التنافسية بينها، بصورة تكون معها إمكانية وصول أي حزب وكل حزب إلى السلطة إمكانية متاحة،

كما أنه لا يمكن تصور قيام نظام ديموقراطي في بلد ما إلا في ظل جو تسوده الحرية، ليكون مفهوم الديموقراطية بهذا المعنى، رديفا في معناه لمفهوم الحرية بكل صورها، وعلى رأسها حرية الاختيار، وحرية التعبير، ونظرا لأن ممارسة المواطنين لهذه الحريات، تؤدي بالضرورة إلى بروز اختلافات بينهم، فإنه لا بديل عن الأحزاب السياسية من أجل تدبير هذا الاختلاف، على اعتبار أنها المؤسسات السياسية القادرة بل المحدثة أصلا بغاية احتواء وتدبير مجموع الاتجاهات والتصورات الفكرية والسياسية المختلفة داخل المجتمع الواحد.

ولئن كان جوهر الديموقراطية هو التداول السلمي على السلطة، بصورة تضمن تناوب الطامحين إلى السلطة على ممارسة السلطة، فإن تحقيق هذه الغاية يحتاج إلى تدابير وإجراءات تنظمه، وإلى شروط تضمنه، إذ لا يمكن تصور تحقق التداول السلمي على السلطة من دون إجراء انتخابات تنافسية، فما يمنح التداول معناه ومشروعيته هو نزاهة وشفافية وتنافسية التمارين الديموقراطية، حيث لا يمكن تكريس هذا المبدأ في غياب الأحزاب السياسية، باعتبارها التنظيمات الشرعية التي تتمتع بشرعية التمثيل، على أساس العلاقة التي تجمعها بالناخبين، والتي تعتبر مهمة جدا في جميع الأنظمة الديموقراطية، إذ تسمح هذه العلاقة ببلورة وتأطير البدائل والتصورات السياسية المختلفة والمتنافسة على السلطة.

بناء عليه، فإن وجود الأحزاب السياسية، هو نتيجة طبيعية لترسيخ أي نظام ديموقراطي، لأنها تساهم في بناء الأسس الديموقراطية، عبر ضمان وتأطير المشاركة السياسية لعموم المواطنين، وبالتالي فإن أي طموح إلى إمكانية إعمال الديموقراطية من خلال تقويض حضور ووظائف الأحزاب السياسية، هو مجرد “وهم” كما قال الفيلسوف النمساوي “هانس كيلسن”.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *