“الطوسي ومن معه أعلم”

“الطوسي ومن معه أعلم”

 

25 مارس 2013، رن الهاتف، قرأت في شاشته “حسن فاتح”، الساعة تشير إلي الحادية عشرة صباحا، وحسن لا يتصل إلا إذا تعلق الأمر بالعمل.

أتى صوت حسن متوترا، “من المفروض أن أنجز التقرير الرياضي في نشرة الظهيرة اليوم لكن هيأة التحرير ارتأت حضوري في الاستوديو رفقة صلاح الدين الغماري، أريدك أن تحرر تقريرا عن مباراة أمس”، كان يقصد مباراة المغرب ضد تانزانيا التي انهزمنا فيها بثلاثية.

لا أدري كيف طويت المسافة بين البيت والقناة، جهز حسن ما يلزم من صور ومشاهد وقد كان بارعا في ذلك، وتوليت أمر التحرير واختيار اللقطة.

كتبت تقريري الذي ينبعث دائما من رماد النسيان، كتبته بلا ضغينة لأنني ألغي ذاتيتي دائما عندما يتعلق الأمر بالعمل.

رشيد الطوسي كان كبش فداء المرحلة، رشيد الطوسي المدرب والمربي والإنسان، أمعن في إنسانيته وتحمل مسؤولية الهزيمة كاملة، والحقيقة الغائبة عني وعن الجميع آنذاك، أن المسؤولية تتحملها أطراف أخرى من داخل المنظومة ومن خارجها، ولو كان للأمر علاقة بموقف شخصي لما جرأت على كتابة سطر واحد في حق الرجل.

لازمة “الطاوسي ومن معه أعلم” حطها سيل الخيبة من عل، وكنت أقصد ب”من معه” رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم علي الفاسي الفهري، حتى أنني وضحت ذلك في سطر لم يرق رئيس(ة) التحرير يومها وأصر(ت) على حذفه، بل وطالبني بإعادة تحرير التقرير والتذكير فقط بالنتيجة والأهداف،

كان ردي بالحرف ” الهزيمة والأهداف كانت بالأمس والكل يعلمها، حتى أوباما يعرف أننا انهزمنا أمام تنزانيا، الأهم لماذا انهزمنا”.

حمل رئيس(ة) التحرير شكواه إلى حسن فاتح باعتباره رئيس تحرير القسم الرياضي، لكنه لم يعترض على التقرير.

يومها انتشر التقرير بشكل جنوني ووردتني اتصالات بلا حصر، في اليوتوب حقق التقرير أعدادا مهولة من المتابعات وما زلت إلى يومنا هذا ولا أدري السبب.

في ركن دفين من ذاتي أشفقت على رشيد الطوسي، وعاتبت نفسي على ما فعلت، ربما كنت قاسيا. أقولها اليوم وقد بِتُّ أعرف الكواليس وما كان يحاك ضد رشيد.

مرت اثنتا عشرة سنة على الأمر، لم ألتق رشيد الطوسي بعدها لأنني غادرت المغرب والقناة الثانية باتجاه قطر في تجربة مهنية جديدة.

التقيت رشيد الطوسي عندما حل ضيفا على قنوات الكاس الرياضية في قطر حيث أعمل، التقينا بضع مرات خلال الأيام الأولى وكان يرافقنا مهدي كسوة المحلل المبدع والضيف الآخر على قنوات الكاس.

كنت أعرف أن رشيد الطوسي لا يدري أنني صاحب التقرير، لأنه يستشعر هذا الكم الهائل من المحبة والاحترام الصادر مني، أكيد أنه يستبعد الأمر.

لم يطل الأمر، وجاء سفيان رشيدي موفدا عن قناة “الرياضية” لكأس العالم لأقل من سبعة عشر سنة، جاء سفيان سامحه الله وجازاه كل خير في الآن ذاته، ليفجر “الرمانة”.

التقينا جميعا في إحدى ليالي الدوحة الهادئة، قصدنا مقهى قريبا من الفندق حيث استقر كل من رشيد الطوسي ومهدي كسوة.

قبل اللقاء كان سفيان قد سألني عبر الهاتف إن كان الطوسي يعلم أنني صاحب التقرير.

أخبرته بأن الماضي قد مات ولا داعي لإثارة الأمر، لكنه أقسم على تفجير “الرمانة” وختم المكالمة بضحكة شريرة.

أخذنا الحديث ليلتها إلى كل ركن في عالم الكرة، وفي كل مرة يلقي سفيان بكلمة قد تذكر الطوسي بالتقرير.

الطوسي بعفويته ونقاء سريرته لم يلق بالا لما يقال، ما استفز سفيان وجعله يلقي ورقته الأخيرة.

هل تذكر التقرير الفلاني؟ هذا هو، ثم أشار إلي، كان معنا عبد الرحمن موساوي صديقي الذي يرافقني في كل مكان، زاد طين سفيان بلة ووضع الهاتف بيد الطوسي ليذكره بالتقرير.

رفع سي رشيد رأسه ببطء، نظر إلي بذهول، ثم ابتسم، كنا ننتظر رد فعل مختلفا، لكنه التقط شوكة من على الطاولة وأغمدها في قطعة حلوى كانت أمامه ليضعها في فمي وهو يضحك بعفوية أطفال.

يا له من موقف، ويا له من رجل.

صمت رشيد متأملا وكأنه يستعيد الزمن وبدأ في سرد الحكاية، ملخصها أنه اختار تحمل المسؤولية رغم خذلان كثير ممن كانوا حوله.

تفاصيل رواها الطوسي لو كنت أعلمها آنذاك لكتبت التقرير بشكل آخر، لكن معطيات ذاك الزمن ما كانت تسمح إلا بما كتبت ساعتها ولو عاد بي الزمن لما زدت أو نقصت حرفا.

أحترم الطوسي كثيرا وأعزه، لكنه اليوم اعتلى مكانا قلة من يبلغونه عندي. أما تفاصيل تلك الهزيمة، فليس الطوسي فقط ومن معه من يعلمها، أنا أيضا صرت أعلم، لا يمكنني الخوض أكثر في التفاصيل لأن رشيد الطوسي سيحكيها بنفسه قريبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *