أزمة سبتة: عودة جماعية سريعة وحصيلة بشرية ثقيلة تكشف هشاشة الحدود

Members of Moroccan security forces escort women from the site of clashes near Fnideq, on the Morocco-Spain border, on July 31, 2026. Thousands of migrants crossed overnight from Morocco into Spain's north Africa's Ceuta enclave, a police source said on July 31, adding that it was impossible to estimate how many people in total. A total of 18 people died while attempting to reach the Spanish enclave, the source said. (Photo by Abdel Majid BZIOUAT / AFP)

أزمة سبتة: عودة جماعية سريعة وحصيلة بشرية ثقيلة تكشف هشاشة الحدود

الوسط
في أقل من يومين، تحولت مدينة سبتة إلى مسرح لأحد أكبر التدفقات غير النظامية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، قبل أن ينقلب المشهد بسرعة لافتة نحو العودة الطوعية. وبحسب معطيات السلطات الإسبانية، تجاوز عدد الوافدين منذ صباح الخميس الماضي 50 ألف شخص، فيما تحدثت تقديرات الحكومة المحلية عن رقم قد يصل إلى 60 ألف دخول عبر البر والبحر.
لكن الارتفاع الصاروخي في الأرقام لم يدم طويلاً. فقد أكدت وزارة الداخلية الإسبانية مساء الجمعة أن أكثر من 48 ألف شخص عادوا بالفعل إلى المغرب، إما طوعاً عبر المعابر أو عبر فتحات في السياج الحدودي. وبذلك لم يتبقَّ داخل المدينة سوى أقل من ألفي وافد من أصل هذا التدفق الهائل. وأرجع بعض العائدين قرارهم إلى غياب أماكن الإيواء والطعام، بعد أن تجاوزت قدرات الاستقبال المحلية حدودها بكثير.

حصيلة بشرية تُسجَّل كالأكثر دموية

أعلنت مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة استعادة 57 جثة من الجانب الإسباني للحدود، فيما لم يُعلن بعد عن حصيلة رسمية موحدة من الجانب المغربي. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن قسماً من الضحايا غرقوا أثناء محاولة الوصول بحراً، بينما سقط آخرون في تدافع حول السد الذي يحمل السياج الحدودي.
بهذا الرقم، باتت هذه الموجة الأكثر فتكاً على سواحل سبتة في التاريخ الحديث للأزمة الهجرية، متجاوزة كل التقديرات الأولية التي صدرت الخميس والجمعة صباحاً.
من «انتهاك للسيادة» إلى تنسيق ثنائي متسارع
وصل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الجمعة إلى سبتة ليُعاين الوضع ميدانياً، وسط احتجاجات جزء من السكان المحليين. ووصف التدفقات بـ«انتهاك للسلامة الترابية» الإسبانية، معلناً تسريع إجراءات التعرف على الوافدين وترحيلهم. في الوقت نفسه، أشاد بالتعاون المغربي، معتبراً الرباط شريكاً أساسياً في تنظيم العودة واستعادة السيطرة على الحدود.
من جهتها، عززت القوات المغربية حضورها في الفنيدق وحول السياجات لمنع محاولات جديدة، بينما بدأت مجموعات أخرى بمغادرة المنطقة بعد فشل محاولاتها. وأعلنت مدريد عن خطط لنشر عوامات جديدة عند السد لتشكيل حاجز ردع يسهل التدخلات الأمنية، مع استمرار انتشار الجيش ووحدات إضافية من الشرطة داخل المدينة.

انقسام أوروبي وردود فعل متباينة

أثارت الأحداث ردود فعل أوروبية حادة. أمرت فرنسا بتعزيز فوري للرقابة على حدودها مع إسبانيا، فيما لوّحت إيطاليا بإجراءات استثنائية قد تصل إلى تعليق حرية التنقل داخل فضاء شنغن مع إسبانيا. وبررت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الموقف بضرورة حماية الحدود الأوروبية، بينما اتهم وزير خارجيتها أنطونيو تاجاني سياسة التسوية الإسبانية بتشجيع شبكات التهريب. وردت مدريد باستدعاء السفير الإيطالي احتجاجاً.
في المقابل، ترى السلطات الإسبانية أن الحشد جاء نتيجة شائعات وتأويل مضلل لقرار صادر عن المحكمة العليا يحظر الإعادة الفورية للموقوفين في البحر، دون أن يمنع الترحيل بعد دراسة كل حالة على حدة.

دروس سريعة من أزمة عابرة

بعد أقل من 48 ساعة من الفوضى، انعكس اتجاه التدفق. الحدود لا تزال تحت مراقبة مشددة، والعائدون يتوافدون بأعداد كبيرة، والسلطات تواصل العمل على حصر الحصيلة النهائية. ما حدث في سبتة لا يكشف فقط عن هشاشة منظومة الرقابة الحدودية في لحظات الذروة، بل يسلط الضوء أيضاً على قدرة التنسيق الثنائي المغربي-الإسباني على احتواء الأزمة بسرعة نسبية، رغم الثمن البشري الباهظ الذي دفعته المنطقة مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *