نشارك أم نقاطع؟
نشارك أم نقاطع
بقلم الاستاذة نبيلة جلال ، محامية ،فاعلة سياسية وحقوقية
الوسط
تاريخيا ..لم تشكل الانتخابات في المغرب طقسا ديمقراطيا حقيقيا ولا خلاصًا سياسيًا يقطع مع مرحلة سبقته بما لها وما عليها..مثلما لا يمكن التسليم بان الديمقراطية تختزل في لحظة نضع فيها ورقة في صندوق شفاف ثم نعود إلى حياتنا اليومية بضمائر مرتاحة لاننا ادينا واجبنا الوطني ..
الديمقراطية أكبر واوسع من ذلك بكثير: هي حقوق وحريات..هي مؤسسات خاضعة للمساءلة والمحاسبة..هي مساواة و عدالة اجتماعية و مواطنة كاملة يتمتع بها الجميع دون استثناءات..هي تعليم جيد واعلام حر وصحة وشغل وقدرة فعلية للمواطنات والمواطنين على التأثير في القرارات والتشريعات التي تمس حياتهم.
في سياقنا المغربي الحالي..وبكل ما يحمله من اختلالات سياسية واجتماعية واقتصادية ..وما يعكسه من محدودية في الخيارات..ومن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات قد يبدو من السهل القول إن المشاركة لا جدوى منها..وإن النتائج محسومة سلفًا..وإن اللعبة السياسية الحالية لا تعطي اي امل في تغيير حقيقي على مستوى الواقع..وهذا الشعور مفهوم..بل واقع لا يمكن إنكاره.
غير أن المقاطعة حين تصبح موقفا دائم فهي لا تنتج بالضرورة بديلًا ديمقراطيًا .
وفي غياب أدوات أخرى قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى فعل سياسي منظم ومؤثر فإن الانسحاب من الانتخابات يترك المجال مفتوحًا لمن يملكون المال والتنظيم والنفوذ والسلطة والادارة ان يتحكموا باريحية ودون ازعاج في السياسات العمومية والقوانين والتشريعات فيغتنون هم ويزداد المجتمع فقرا..يتحكمون هم ويحكمون القيود من حولنا..
المشاركة لا تعني القبول بكل ما هو قائم ولا نعني الرضا عن الطريقة التي تدار بها اللعبة..يمكن أن نشارك ونحن ننتقد..وأن نصوّت ونحن نمارس حقنا الكامل في المحاسبة والاحتجاج في الشوارع والمعارضة من داخل المؤسسات..بل إن المشاركة السياسية الحقيقية تبدأ من هنا: من رفض التعامل مع المواطن باعتباره مجرد صوت انتخابي..ومن الإصرار على أن يستمر حضوره في المشهد السياسي الى ما بعد انتهاء يوم الاقتراع.
بالنسبة لنا.. المشاركة لا تعني تجميل الواقع او قبوله..وإنما مساحة أخرى من مساحات النضال السياسي. صحيح أنها محدودة..ومحاصرة..وصحيح أن شروط التنافس ليست متكافئة..وصحيح أن المؤسسات المنتخبة لا تملك سلطة التغيير ..لكن التخلي عن هذه المساحة لا يجعل الواقع أكثر ديمقراطية وكاننا على مشارف ثورة روادها مستعدون للمجازفة ابتداء من الغد!!
نحن نشارك لان ..خيار المشاركة نابع من ايماننا بان ترك الصندوق فارغًا من الأصوات التي تطالب بالحرية والعدالة والكرامة ليس خيارًا أكثر تقدمية.
قد لا تكون الانتخابات هي الطريق الذي نريده..لكنها في اللحظة الراهنة تظل إحدى الأدوات المتاحة والممكنة للتأثير والتعبير وبناء موازين قوى جديدة رغم الصعوبات. نحن لا نبحث عن انتخابات مثالية في واقع غير مثالي..
بل نناضل من أجل توسيع هامش الديمقراطية من داخل المؤسسات وخارجها في الوقت نفسه.
المشاركة رفض للاستسلام ..في ظل الوضع القائم وغياب بديل سياسي ومؤسسي أكثر فاعلية.. تبقى واحدة من الأدوات التي لا أرى سببًا للتنازل عنها طواعية وتقديمها كعكة للانتهازيين..





