الدكالي.. عملاق غادر سوق البشرية
الدكالي.. عملاق غادر سوق البشرية
حسن برما
عبد الوهاب الدكالي.. ذلك الصوت الذكي القادم بقلادات الزجل والزهر البري المتوحش واكاليل ورود القصيدة العربية الفصيحة، وأصابع أنغام حاورت االاوتار بقليل من العنف الأبوي والكثير من الحب الصادق.. الدكالي سفير عشقنا البدائي ولسان العاشق المتمرد على إطارات الفن المسجون بزنازين التقليد وثبات موتى الماضي السائد.
والحق يقال.. ما أنا إلا بشر، أعيش وقتي بما يهديني الحلم ويدفعني لأسبح في بحر زمني المؤمن بالحب والحلم و الجرأة في اتخاذ قرار مواجهة المحبوب وطلب رضاه، عندي قلب ونظر، وأنت كلك خطر مواجهات، بهذا الاعتراف الصريح، شدا الدكالي أغاني نجحت في مقاومة عوادي الزمن وفضحت نزعته الثائرة على المواصفات القديمة حين قال “ما تبقاش تحقق فيَّ!” رافضا نظرة المستغرب المتجسس بأمر حاسم “لا تقل لي حتى كلمة!”
على مستوى الأغنية العصرية، كانت السطوة والحضور الطاغي لعمالقة الفن العربي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وفيروز ووديع الصافي، وكان الشباب يمتلكون آذانا موسيقية استوعبت جيدا أنغام الغرب، فاستسلموا لنوايا إظهار تطورهم وأنهم أبناء هذا العصر المتحضر حيث كنت تجد فلولا تعشق إلفيس بريسلي وآخرون يحبون الكونتري وأغاني بوب دايلان وروائع موسيقى البلوز والريكَي عند بوب مارلي، ومناحات إديث بياف وصرخات جاك بريل وظل الانحياز لموسيقى الغرب المهيمن دليلا على التحضر والتطور ومسايرة العصر فيما كان الرفض القاطع لأغاني الشيخات والوترة وفلكلور مهرجانات المخزن مشتركا بين أجيال الستينيات والسبعينيات المشبعة بثقافة التمرد والثورة ومقاومة الطغاة.
كانت الأغنية المستساغة عند هذا الجيل هي الملتزمة الثائرة المرتبطة بهموم الطبقات المسحوقة، حينها هيمنت أغاني بوب دايلان وبوب مارلي وفيروز ووديع الصافي وفيما بعد مارسيل خليفة وأميمة الخليل ومجموعة الميادين والعاشقين، إنه زمن الجيل الرافض لثقافة الاستهلاك وتدجين الكائن البشري وحرمانه من كل ما يحافظ على كرامته وآدميته، ومن أنصت لفاطنة بنت الحسين وقشبل وزروال وعلي وعلي الحطاب كان يصنف ضمن قطيع “هركَاوة” العروبية العُوبِيبَان.
مع نهاية عقد الستينيات، استعادت الظاهرة الغيوانية وعلى رأسها مجموعة “ناس الغيوان” بعضا من هذا الجمهور المنفي، وانتبه الناس لمطولات أم كلثوم ومجايليها، لم يعد الاستماع لأغاني الحب خيانة للقضية، ولم يعد عشق الأغنية العاطفية دليل هزيمة وانتكاسة.
في هذا الزحام الجميل ظل الثلاثي المغربي المُشَكل من عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني ومعهم بحة المغرب الجريحة نعيمة سميح فرسانا للأغنية المغربية المعاصرة، يغدقون العطاء الفني بسخاء، يُشنَّفون الاستماع بروائع استوحت ألحانها من كنوز الأطلس الكريمة، ويستعيدون المستمع المغربي بما يلزم من النخوة والحب.
زمن أجهزة الراديو والإذاعات الوطنية والخاصة، والبدايات الأولى لانتشار أجهزة التلفزيون بالأبيض والأسود، كانت أصوات المذيعين تصل لمستمعيها عبر الأثير، والآن نقدم إليكم أغنية لا تتركيني.. وهذي هي انت.. ويا الغادي في الطنوبيل.. وانا إلا بشر.. ومرسول الحب.. والليل والنجوم والقمر وانا وانت ودنيا السهر.. كلمات من إبداع فلان الفلاني وألحان وأداء صوت المغرب الموسيقار عبد الوهاب الدكالي.
كما هو شأن الحب الكروي في الدارالبيضاء الموزع بين الوداد والرجاء والطاس، كان لكل واحد مغنيه المفضل، يعشقه، ينتصر له، ويحفظ أغانيه، شخصيا، منذ الطفولة كنت انحاز لعبد الوهاب الدكالي لأنه يحمل نسبا افتخر بالانتماء إليه، يكفي أن اسمه يحيل على العزيزة دكالة العزيزة لأجعله دائما في المرتبة الأولى، اعتقدت أن أصوله قد تعود لسيدي بنور أو الزمامرة أو العونات أو أولاد فرج، فيما بعد عرفت أنه من عائلة فاسية وانحزت غير آسف لحب محمد الحياني وعبد الهادي بلخياط.
ارتبطت أجيال الستينيات والسبعينيات بالراديو، معظم روائع الغناء العربي تعرفنا عليها من خلال ذاك الجهاز الساحر، في جميع الأوقات والأماكن، ليلا ونهارا، يصاحبنا المذياع، كالظل لا يفارقنا، يملأ صمتنا بالأخبار والأغاني والتمثيليات الإذاعية، نحفظ مواعيد بث الأغاني الكلاسيكية، نترقب برامج المنوعات بشغف، وننتظر مولات ام كلثوم أيام الأحاد.. وفي الليل نرحل مع آهات الغناء القريب من المناحات.
بذكائه المعهود، كان الدكالي يختار لحنجرته مقامات تحترم جهدها، دائما وأبدا يطلب كلمات اغاني في ظاهرها رسائل حب وشوق وحرمان وفي باطنها إشارات رفض وتمرد واعتزاز، بأساليب جديدة تمتح من إيقاعات الأطلس الشامخ وعيوط السهول الحانا طورها وأهدانا خاطبت الوجدان المشترك وارواح الملسوعين بعذابات العشق والغرام.
مع الفصول الأربعة واختلاف أحوالها، في أوقات الغروب ومنتصف ليالي الشتاء والربيع، خلال قراءاتي روائع الفن المغربي والعربي، وأثناء انشغالي بالكتابة وسفر التخييل، كنت مدمنا على سماع الموسيقى التي تحترم متلقيها، وكان الدكالي بارعا في اختيار نصوص فيها الفصيح والدارجي، لقد لحن قصائد فصيحة وأخرى بزجل مغربي عميق، وفي كل الحالات أعطانا إبداعا راقبا صمد وقاوم واستمر في إمتاع مستمعيه من كل الأجيال.
ولأنه ينتمي لجيل التحدي والمغامرة ورفض التقليد والسكون، تابع الموسيقار مغامراته الفنية وأبدع أغاني شبابية ذات إيقاعات خفيفة وكلمات تناولت قضايا العنصرية والهجرة والخيانة وأخرى ناقشت مسائل وجودية ذات بعد فلسفي يميل للتأمل وتقديم خلاصات عن الحياة و طبيعتها الزائلة.. وفي هذا الاتجاه كانت جرأته واضحة ومتفردة.
والآن رحل عنا صاحب الله حي، فارق جسده الحياة، غادر دنيانا الفانية، وبقي عمله الفني في إحدى زوايا الذاكرة الأمينة، عطاؤه الجميل يمنحنا المتعة الراقية ويسمح لنا بتذوق ما عزفته انامل موسيقار لا يتكرر، فنم قرير العين، مغربك الحبيب سيظل يذكرك بفخر واعتزاز إلى الأبد.. حقا، المبدع الحقيقي لا يرحل!!!
