النص الكامل للخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الـ47 لعيد العرش المجيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وآله وصحبه أجمعين.

شعبي العزيز،

نحتفل اليوم بكامل الاعتزاز والاستبشار بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلائنا العرش. سبع وعشرون سنة منذ شاءت إرادة الله تعالى أن أتحمل أمانة قيادتك، وهي أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة.

وإننا لنحمد الله تعالى ونشكره على ما أنعم به علينا من توفيق وسداد في عملنا من أجل تحقيق تطلعاتك والتجاوب مع انشغالاتك، مصداقًا لقوله عز وجل: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾.

كما أنني لم أبحث يومًا عن مجد شخصي أو الاعتراف بدور ريادي على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.

واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويًا، يخالجني مزيد من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة والتفاؤل بالمستقبل. إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضا الذاتي، وإنما بشعور إيجابي بالثقة والطمأنينة يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود.

وكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومنهج في الحكم يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء والتطلع إلى المستقبل بكل عزم وروح إيجابية.

شعبي العزيز،

إننا نعيش اليوم مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط.

وإن أكثر ما يبعث على الفخر والاعتزاز هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما تتميز به مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية. وفي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، شكل الاستقرار السياسي والمؤسساتي عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن.

فالاستقرار اليوم هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب.

 

شعبي العزيز،

إن المغرب دولة عريقة تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة كدولة الأمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها في إطار من الانسجام والتكامل، وهذا ما يعطي النجاعة اللازمة للعمل الدؤوب لمواصلة الإنجازات ورفع التحديات رغم الصعوبات والإكراهات.

وقد أبان المغرب عن قدرة كبيرة في التنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، مما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانًا.

كما أبانت المملكة عن قدرات كبيرة في مواجهة الكوارث والأزمات، لاسيما من خلال التدبير الاستباقي للفيضانات التي شهدتها مناطق الغرب والجنوب.

وبفضل الأمن والاستقرار ونجاعة المؤسسات، تتزايد المؤشرات الإيجابية التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز الأداء الاقتصادي ويقوي السيادة الوطنية.

فقد بلغت نسبة النمو حوالي 4.9% سنة 2025، ومن المتوقع أن تستمر في المستوى نفسه أو تتجاوزه في السنوات المقبلة.

وعلى الصعيد الفلاحي، عرف المغرب تساقطات مطرية مهمة وموسمًا فلاحيًا جيدًا، بما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي.

كما استطاع المغرب تعزيز مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، وهو ما تعكسه المؤشرات الصناعية.

ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جذب الاستثمارات الخارجية أو خلق فرص الشغل.

إذ أصبح المغرب اليوم أول مصدر للسيارات في القارة، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويًا، كما أصبحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات، متقدمة على صادرات الفوسفاط.

وتعزيزًا لهذا التوجه، ترأسنا في بداية السنة افتتاح مصنع جديد جعل المغرب يدخل نادي الدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية في مجال صناعة محركات وأنظمة روبوتات الطائرات.

كما أن تطوير قطاع البطاريات الكهربائية يعكس رهان المغرب على التحولات التكنولوجية والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية.

وبنفس روح الابتكار والتطوير، تم إنجاز مشاريع كبرى تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة أساسية للطاقة، ورفع إنتاج الصناعات بطاقة تنافسية وخالية من الكربون.

وتعزيزًا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر من خلال الترخيص لأول مجموعة من المشاريع الكبرى.

شعبي العزيز،

في سياق دولي مطبوع بتنامي السياسات الحمائية وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج، جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورًا لتنمية الصناعة.

وخير مثال على ذلك الصناعات الغذائية والدوائية التي أصبحت تغطي ما يقارب 80% من الحاجيات الوطنية.

وإن إقامة قاعدة صناعية تكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني ستساهم تدريجيًا في تعزيز السيادة الدفاعية وخلق فرص التنمية وتعزيز مكانة بلادنا كقوة إقليمية في هذه الصناعات.

ومن جهة أخرى، سجل القطاع السياحي سنة 2025 إنجازًا تاريخيًا باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح، بما في ذلك أبناء الجالية المغربية بالخارج.

وبموازاة مع ذلك، نواصل تنزيل العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية والتأمين الاجتماعي، بهدف تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا الإطار، نشدد على ضرورة التنزيل الفعلي للبرامج التنموية المندمجة، بما يضمن استفادة جميع المناطق والجهات دون استثناء.

كما أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يتطلب موارد تمويلية غير مسبوقة، يتعين تعبئة الجزء الأكبر منها عبر التمويل الداخلي، وخاصة من القطاع المالي الوطني، لمواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وإحداث نقلة نوعية في توسيع التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللاستثمار والتصدير.

وإننا نتطلع إلى انخراط القطاع المالي في فتح آفاق جديدة، بالتوازي مع حوار وطني حول إصلاح المنظومة المالية وإنعاش الأسواق المالية، لترسيخ دينامية التنمية ببلادنا.

شعبي العزيز،

لقد تمكنا، بعون الله وتوفيقه، من ترسيخ مكانة المغرب كفاعل دولي مهم وشريك موثوق، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة ومتجهة نحو المستقبل.

وهو ما مكن بلادنا من التعامل بكل ثقة ووضوح مع مختلف شركائها، وإقامة شراكات بناءة ومبادرات تعاون واسعة بشأن مختلف القضايا والتحديات الدولية الكبرى، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا ورفع مكانتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *